محمود توفيق محمد سعد

307

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

الآية جاءت في صدر سورة " فاطر " التي " مقصودها : إثبات القدرة الكاملة للّه سبحانه وتعالى اللازم منها تمام القدرة على البعث " « 1 » وجاءت في سياق تأكيد اللّه سبحانه وتعالى انّ ما وعد به من البعث والجزاء حقّ ، لا مرية فيه ، ونهيه عن الوقوع في غرور الدّنيا والشّيطان : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( فاطر : 5 ) جاء الفعل ( تثير ) المضارع معطوفا على الفعل ( أرسل ) وكان مقتضى الظاهر أن يقال : اللّه الذي أرسل الرياح فأثارت سحابا فسقناه . ، أو : اللّه الذي يرسل الرياح فتثير سحابا كما في سورة ( الروم ) : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( الروم : 48 ) لكنّ البيان القرآني هنا عدل عن ذلك فأوقع المضارع معطوفا على ماض ( أرسل ) ومعطوفا عليه ماض ( سقناه ) وذلك مرجعه إلى طبيعة الحدث : ( الإثارة ) وموقعه من القصد الذي ترمى إليه الآية ( كذلك النشور ) فهذا القصد غير حاضر في آية الروم ( ي : 48 ) ، وإن كان فيما بعدها ( ي : 50 ) يقول البقاعى مجليا وجه البيان بالمضارع : " ولما أخبر سبحانه وتعالى أنه لا بدّ من إيجاد ما وعد به من البعث وغيره ، وحذر كل التحذير من التهاون بأمره ، وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذّب ، وكان السبب في الضلال المميت للقلوب الهوى الذي يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه المظلم ، فيحول بينه وبين النفوذ ، وكان السبب في السحاب المغطى السماء الأرض المحيى لميت الحبوب الهواء ، وكان السبب الإتيان به في وقت دون آخر دالا على القدرة بالاختيار ، قال عاطفا على جملة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ المبنى على النظر ، وهو الإخراج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به ( واللّه ) . . . ( الذي ) ولما كان المراد الإيجاد من العدم عبر بالماضي مسندا إليه ، لأنّه الفاعل الحقيقي ، فقال : ( أرسل الرياح ) أي أوجدها من العدم مضطربة فيها ، أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف شاء لاثابته كالأرض ، وأسكنها ما بين الخافقين لصلاح مكان الأرض .

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 16 / 10